محمد غازي عرابي
968
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 84 إلى 85 ] وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 ) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 85 ) [ الزخرف : 84 ، 85 ] التدبير من الاسمين المذكورين ، أي من الحكمة إلى العلم ، فالحكمة أصل العلم ، وللعلم قصد هو الحكمة ، وإلا لكان اللعب لعبا بحق ، أي بغير قصد وهدف ، والحكمة إظهار الصفات ، ثم ظهور اللّه ، هذا هو الأمر في جملته ، ولكنه يكون كليا مطويا كما يكون الثمر مطويا في الزهر ، والزهر مطويا في البراعم ، والبراعم مطوية في الأغصان التي لما يأتها الربيع بعد . أما الانتشار فهو تحقق اسمه العليم نفسه حتى تتكون البراعم ثم تتفتح فتكون أزهارا ، ثم ينعقد الزهر فيكون ثمارا ، فإذا اللّه ظاهر في مظاهر الصفات ، وهي للعارفين جنات دانية القطوف ، جنيها حلال ، ولذة التذوق مثل شرب الماء البارد على الظمأ في آخر يوم الصوم . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 86 ] وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 ) [ الزخرف : 86 ] من شهد بالحق يعني الشهادة بالحق ، أي أن يشاهد الحق بالحق ، وهذه نهاية معارج العارفين إلى الحق بالحق ، والشفاعة تكون للمشاهدين لأسباب ، ذلك أن الشفاعة نوع من الاسترحام وطلب المغفرة ، وهي نتيجة بدهية لمن يشاهد مشاهدة ذوقية أن الكون كله مخلوق مرحوم . وأنه لولا الرحمة ما كان ، وأنه من دون الرحمة لا يقوم ولا يدوم ، وأنه صائر إلى الرحمة لأن الرحمة البحر ، منه وبه وإليه . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 87 إلى 88 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) [ الزخرف : 87 ، 88 ] لا انصراف عن عبادة اللّه طوعا أو كرها ، وهو أمر أوضحناه سابقا مبينين أن هذه الجزئيات كوى للكليات ، وأن الكليات إشعاعات نورانية للنور القاهر ، وكانت الصوفية ، ومن قبلهم أفلوطين ، قد شبهوا أنوار الحق بأشعة الشمس الداخلة إلى مكان ، فهي لا يمكن فصلها عنه ولا هو ملتحم بها ، والشمس قاهرة باعتبارها مضيئة ، فمن دون الشمس لا زمان ولامكان فأنى توجه الإنسان فاللّه قدامه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فأنى يؤفكون ؟ [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 89 ] فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 ) [ الزخرف : 89 ] أوتي صلّى اللّه عليه وسلّم مرتبتي العلم الذوقي والعلم التشريعي ، فجمع بذلك بين المطلق والمقيد ، وبين اليقين وما تحته ، وكان بذلك سيد العلماء وسيد العارفين ، ومن نتائج علم الذوق وعلم